عبد الله بن الرحمن الدارمي
65
مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني )
التكاليف ، ويخلط القرآن بذواتهم ، ويحوله في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي ، وإلى ثقافة متحركة لا تبقى داخل الأذهان ، ولا في بطون الصحائف ، إنما تتحول آثارا وأحداثا تحول خط سير الحياة . إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يقبل عليه بهذه الروح : روح المعرفة المنشئة للعمل ، إنه لم يجيء ليكون كتاب متاع عقلي ، ولا كتاب أدب وفن ، ولا كتاب قصة وتاريخ - وإن كان هذا كله من محتوياته - إنما جاء ليكون منهاج حياة : منهاجا إليها خالصا ، وكان اللّه تعالى يأخذهم بهذا المنهج مفرقا يتلو بعضه بعضا : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [ الإسراء : 106 ] لم ينزل هذا القرآن جملة ، إنما نزل وفق الحالات المتجددة ، ووفق النمو المطرد في الأفكار والتصورات ، والنمو المطرد في المجتمع والحياة ، ووفق المشكلات العملية التي تواجهها الجماعة المسلمة في حياتها الواقعية . وكانت الآية - أو الآيات - تنزل في الحالة الخاصة ، والحادثة المعينة تحدث الناس عما في نفوسهم ، وتصور لهم ما هم فيه من الأمر ، وترسم لهم منهج العمل في الموقف ، وتصحح لهم أخطاء الشعور والسلوك ، وتربطهم في هذا كله باللّه ربهم ، وتعرفه لهم بصفاته المؤثرة في الكون ، فيحسبون حينئذ أنهم يعيشون مع الملأ الأعلى تحت عين اللّه ، في رحاب القدرة ، ومن ثم يتكيفون في حياتهم وفق ذلك المنهج الإلهي القويم . فمنهج التلقي للتنفيذ والعمل هو الذي صنع الجيل الأول ، ومنهج التلقي للدراسة والمتاع هو الذي خرج الأجيال التي تليه » « 1 » .
--> ( 1 ) معالم الطريق .